الغرب والمهدوية (الجزء الأول)

وكالة الحوزة - لا يقتصر الاعتقاد بالمخلّص على الأديان، بل امتد ليشمل الإنتاج الثقافي الغربي، حيث أصبح موضوع آخر الزمان والمخلّص محوراً رئيسياً في سينما هوليوود. فكيف تعاملت السينما الغربية مع هذا الموضوع، وما هي الرسائل التي تحاول إيصالها؟

وكالة أنباء الحوزة - تُعدّ فكرة الاعتقاد بالمنقذ من القضايا المشتركة بين الأديان الإبراهيمية وغير الإبراهيمية. لقد هددت الأزمات والمحن وجود البشرية، وعجز الإنسان عن التصدي لها، وهذا العجز كان السبب الرئيسي في تشكّل فكرة المنقذ لدى مختلف الأديان. إنّ ظهور المنقذ في الأذهان يرتبط بالعدالة ومحاربة الظلم. وهذا الارتباط يجعل الناس من مختلف الأديان والمذاهب يتطلعون بشوق إلى ظهور منقذهم. ومن الطبيعي أن يختلف مستوى هذا الشوق بحسب عوامل متعددة، وتأتي وسائل الإعلام في طليعة هذه العوامل التي تسهم في تعزيز هذا التوق والاهتمام. فالوسائل الإعلامية من أكثر الأدوات تأثيراً في عالم اليوم؛ فهي لا تؤثر فقط بشكل مباشر على الأفراد، بل تؤثر أيضاً في الثقافة والقيم والمعايير التي يبني عليها المخاطب سلوكه.

ومنذ عام 1990 بدأت هوليوود في تحويل بوصلة إنتاجها السينمائي، بشكل تدريجي وملموس، نحو موضوعات المنقذ وأحداث آخر الزمان.

هوليوود وخلق الحاجة الملحة للمنقذ

يُعدّ خلق الشعور بالحاجة والضرورة الملحة للمنقذ من أبرز المواضيع التي ركزت عليها أفلام هوليوود في العديد من أعمالها المرتبطة بآخر الزمان.

1- توسيع دائرة الحاجة إلى المنقذ

في هذا السياق، يحاول فيلم "الخالق" (The Creator) لعام 2023 تصوير الصراع بين البشر والذكاء الاصطناعي، بل إنه في أحد مشاهده يوسّع دائرة الحاجة إلى المنقذ لتشمل حتى كائنات الذكاء الاصطناعي، ويُظهرها مشتاقة لظهوره.

2- استقطاب الخير والشر لتعزيز خلق الحاجة للمنقذ

يستخدم صنّاع هوليوود تقنيات مختلفة لخلق الشعور بالحاجة إلى المنقذ لدى الجمهور. ومن أهم هذه التقنيات، استقطاب الخير والشر حيث إنهم يصورون قوى الشر في الفيلم بقوة هائلة تجعل هزيمتها مستحيلة في الظروف العادية، ويُبالغون في إظهار هذه القوة حتى يجعلوا المشاهدين يعتقدون بأن الخلاص لا يكون إلا بوجود منقذ.

فيلم "الحرب العالمية زد" (World War Z) الصادر عام 2013 هو مثال بارز على هذا النوع من الأفلام حيث يسيطر الزومبي، كقوى شريرة، على الكرة الأرضية بسرعة ويُفقد الأمل في النجاة. وفي هذه الظروف، يبدو ظهور المنقذ في القصة أمراً لا مفر منه.

إن كثرة تعرّض المُشاهد لهذه الحيلة في منتجات هوليوود تجعله يصل في حياته الواقعية إلى قناعة مماثلة: أن السبيل الوحيد للخلاص هو وجود منقذ.

3- التضحية اللامحدودة للمنقذ

من بين التقنيات الأخرى التي تستخدمها هوليوود، تصوير التضحية اللامحدودة للمنقذين الهوليووديين لإنقاذ البشرية. يحاول المخرج في هذه الطريقة خلق مواقف درامية وعاطفية تظهر أقصى درجات التضحية من أجل البشرية.

ومن الطبيعي أن المُشاهد سينجذب إليهم نتيجة كثرة مواجهته لمثل هؤلاء المنقذين والأبطال وسيبقى متلهفاً لظهور منقذ مماثل في حياته الواقعية.

فيلم "بين النجوم" (Interstellar) الصادر عام 2014، والذي يُعتبر واحداً من أفضل الأفلام التي تركز على المنقذ في هوليوود، هو مثال واضح على استخدام هذه التقنية. يُشاهَد بطل في الفيلم في مشاهد متعددة يُضحّي بلقاء عائلته وابنته الوحيدة من أجل إنقاذ البشرية جمعاء، ويضع المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية.

وظائف أفلام هوليوود المرتبطة بآخر الزمان

الوظيفة الأولى: محاولة تقديم أحداث آخر الزمان بنظام معيّن

في نصوص الكتاب المقدس لدى المسيحيين، نجد في وصف أحداث آخر الزمان قبل ظهور المسيح (عليه السلام)، إشارات إلى كوارث وأحداث مروعة، كل منها يمثل تهديداً للبشرية. ولذلك، فإن إحدى مهام أفلام هوليوود المرتبطة بآخر الزمان هي تصوير هذه الأحداث الأليمة، لإيهام المشاهدين بأن وقوع أحداث آخر الزمان الهائلة هو جزء من دورة طبيعية تحدث بشكل منتظم ولا مفرّ منها، وذلك في مسيرة الوصول إلى العصر الذهبي المزدهر لظهور المنقذ.

الوظيفة الثانية: إيقاظ الوعي بمخاطر المسار الحالي للمجتمع البشري

بمراقبة الإنتاجات السينمائية المرتبطة بآخر الزمان لهوليوود، نلاحظ أن عدداً كبيراً منها يحمل مضامين نقدية تجاه نمط الحياة البشرية الحالي. فالكوارث المرتبطة بآخر الزمان المرعبة التي تُصوَّر في هذه الأفلام هي نتيجة لطريقة حياة البشر ولها أسباب بشرية.

على سبيل المثال، في أفلام آخر الزمان مثل سلسلة أفلام "Terminator" أو فيلم "الخالق" (The Creator) لعام 2023، نرى أن الذكاء الاصطناعي، الذي خلقه البشر أنفسهم، أصبح تهديداً كبيراً لاستمرار حياتهم وتسبب في دمار جزء كبير من الحضارة الإنسانية.

الوظيفة الثالثة: استخدام لغة الفكاهة لتقليل الخوف من وقائع آخر الزمان

الأفلام المرتبطة بآخر الزمان ذات الطابع الفكاهي هي من بين الإنتاجات التي ازداد عددها في السنوات الأخيرة. أفلام مثل "هذه هي النهاية" (This is the End) أو "نهاية العالم" (The World's End) الصادرين عام 2013، هي أمثلة على أفلام هوليوود التي حاولت تصوير أحداث آخر الزمان بلغة فكاهية. ومن وظائف استخدام الفكاهة في هذه الأفلام، تقليل الخوف والتوتر من الأحداث المرعبة؛ فتكرار مواجهة المُشاهد لمثل هذه الصور الممزوجة بالمزاح تجاه الكوارث، يؤدي بمرور الوقت إلى نظرة متساهلة ومرحة تجاهها، مما يقلل من الرعب العام تجاهها.

نموذج المنقذ الإسلامي في مسلسل "المسيح"

إلى جانب هذه التقنيات العامة، حاولت هوليوود في بعض أعمالها تقديم نموذج لمنقذ ذي هوية إسلامية. ويُعدّ مسلسل "المسيح" (Messiah) الذي أُنتج عام 2020، واحداً من أكثر الأعمال الدرامية إثارة للجدل التي أنتجتها هوليوود في السنوات الأخيرة.

"مهدي دِهبي" هو اسم الممثل المسلم الذي جسّد دور المسيح في هذا المسلسل. ورغم أن كتّاب القصة حاولوا في ظاهر العمل أن يظهروا شخصية "المسيح" كمنقذٍ يتجاوز حدود دين معين، تاركين تحديد انتمائه الديني للمشاهدين، إلا أن الصورة الإسلامية لهذه الشخصية كانت طاغية بوضوح على سائر الأديان.

المنقذ الذي يُرفض في مشاهد متعددة ادعاء منزلته الإلهية، لا ينفي خلال المسلسل أيًا من الألقاب المقدسة التي يُنادى بها؛ ألقاب مثل: المسيح، النبي، الإمام، ابن الله، عيسى.

وهو خريج العلوم السياسية من ماساتشوستس الأمريكية، وبذكائه الحاد ينجو بمهارة من كل المآزق التي تُوضع له، ويمضي قدماً في تحقيق أهدافه المخادعة خطوة بخطوة. ورغم المحاولات الواضحة في المسلسل لإخفاء الطابع الإسلامي لهذه الشخصية، وعدم تقديمها كوجه سلبي صريح، إلا أن كلاهما يظل واضحاً ومميزاً في الطبقات الخفية من الفيلم.

العلم هو المنقذ الوحيد للبشرية في بعض منتجات هوليوود

وفي مقابل هذه النماذج، تقدم بعض الأفلام رؤية مختلفة تماماً، حيث يُصوَّر العلم والتكنولوجيا كمنقذ وحيد للبشرية، مع إقصاء أي دور للقوى الإلهية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مسلسل "معضلة الأجسام الثلاثة" (3 Body Problem) الذي عُرض موسمه الأول عام 2024، ويُعد من المسلسلات الأكثر تكلفة في إنتاج منصة Netflix، وهو نموذج كامل لمنتج معتمد على العلم في معالجة قضايا آخر الزمان.

في هذا المسلسل، الذي تمحور حول مسألة فيزيائية (مع لمسات سياسية)، يُفترض أنّ كائنات فضائية ستصل إلى الأرض خلال 400 عام وتقضي على البشرية.

في هذه الأثناء، هناك من البشر من ينتظرون بفارغ الصبر وصول الكائنات الفضائية ويُعدّونها آلهة لهم، بينما يبذل آخرون قصارى جهدهم لمنع هذه الكارثة المرتبطة بآخر الزمان بالاعتماد على العلم البشري المتقدم فقط (مع نفي القوى الإلهية والماورائية).

تجدر الإشارة إلى أن المنتجات التي تركز على العلم باعتباره المنقذ الوحيد وتنفي أي منقذ إلهي، لها أمثلة عديدة في سينما الغرب.

وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.

والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من مقال للمركز التخصصي للمهدوية في الحوزة العلمية بقم (مجموعة الغرب والمهدوية) مع بعض التعديلات.

لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: أ. د

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha